لقد ساندت الكنيسة الكاثوليكية، في الثلاثينات والأربعينات النظام النازي في ألمانيا، منحته جميع المبرِّرات؛ الممكنة وغير الممكنة، وفي كلّ الأحوال كانت العدمية الأخلاقية للخطاب الدينيّ، والمسنودة بالقيم النفعية التي تحبل بها كتب الفقه، من قبيل أن الغاية تبرّر الوسيلة، والحاجة إلى دفع مفسدة كبرى تبرّر المفسدة الصغرى، كان مثل هذا الخطاب كافياً لتسويغ تعاون الفاتكان مع الزعيم النّازي هتلر، وذلك بدعوى أنّ الشيوعية هي الشرّ الأعظم على أوروبّا وعلى البشرية.
لقد ساندت الكنائس الكاثوليكية الرّومانية، وكذلك الكنائس اللوثرية، النظام النازيّ الذي أنشأه هتلر، وأشرفت بنفسها، على تشييد بعض معسكرات الاعتقال والإبادة، لكنها سرعان ما انقلبت على النظام النازي، عقب هزيمته في نهاية الحرب العالمية الثانية، وصارت في طليعة الشاجبين والمندّدين بالنازية.
ساندت الكنيسة الكاثوليكية الديكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية خلال الستينات والسبعينات والثمانينات، دون أن تجد في نفسها حرجاً وهي تتخلّى عنها بعد أن تساقطت كأوراق الخريف.
ومن دون شك، فإنّ الخطاب الديني يمنح للمرء القدرة على تبرير القيام بالفعل وبنقيضه في نفس الآن، ليس ذلك بسبب أنّ النصوص المقدّسة والتعاليم الإلهية، تظلّ بحكم صياغتها الأدبية، حمّالة لآلاف الأوجه، وإنّما أيضاً، بسبب أنّ الانفعالات والغرائز التي يؤجّجها الخطاب الديني، قادرة على إنتاج مواقف غير متوقعة.
تُخبرنا المرجعيات الدينية عن قدرتها على إنتاج الموقف وإنتاج نقيضه أيضاً، فالديانة الهندوسية التي أنتجت أحد أعظم رجال النضال السلمي من أجل السلام العالمي، المهاتما غاندي، هي نفسها التي أنجبت رموز التعصّب والتّطرّف الهندوسي، ومن بينهم قتلة غاندي. ولا تكفّ النصوص الدينية للديانات السماوية عن الدعوة إلى حبّ الخير للجميع، وإزاحة الأذى عن الطريق، لكنّها تخبرنا في المقابل، كيف أنّ صاحب موسى قتل الغلام لمجرّد الخشية من الفتنة حين يكبر، علماً بأنّ الغلام لم يكن قد كبر بعد، وهذا الموقف يستشهد به اليوم عتاة التطرف الديني في أكثر من مكان ومناسبة، على أنه، وفي مُقابل ذلك، فقد قُذِف بامرأة في النار لمجرّد قطة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من حشائش الأرض، وهذا الموقف أيضاً يثيره خطباء آخرون، أو يعلنه نفس الخطباء، حين تتغير المناسبة، بحسب المواقف الانفعالية المرغوب إثارتها لذا جمهور معيّن في زمن محدّد، وتبعاً لمعايير الصورة المطلوب تسويقها عن الدين؛ إن كانت حرب ومقاومة، فهي آيات للسيف والجهاد، وإن كان سلام وصلح، فهي آيات للعفو والرّحمة.